محمد بن محمد ابو شهبة
208
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
في موطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم مكانك » . وقال المسلمون لما رأوا المثلة في قتلاهم ، وحزن النبي البالغ على عمه حمزة : لئن أظفرنا اللّه بهم يوما من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب . أمر اللّه بالعدل في القصاص ولم يلبث الوحي أن نزل بالأمر بمراعاة العدل في القصاص ، ومحببا في الصبر والعفو ، فقال عز شأنه : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ « 1 » . فعفا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وصبر وكفّر عن يمينه ، ونهى عن المثلة . روى ابن إسحاق بسنده عن سمرة بن جندب قال : « ما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مقام قط ففارقه ، حتى يأمرنا بالصدقة وينهانا عن المثلة » . ولا يشكلن عليك كون هذه الآيات من سورة النحل وهي مكية ، لأن بعض العلماء قال : إنها مكية إلا هذه الآيات من خواتم السورة فإنها مدنية . نعم ذهب كثير من العلماء إلى أنها كلها مكية وعلى هذا فتكون هذه الآيات مما تكرر نزولها على حسب المناسبات والدواعي ، تذكيرا بما فيها من هذا الأدب الإسلامي العالي ، وهو رعاية العدل عند النصر والظفر ، وعدم الاستجابة لهوى النفس ، أو الإسراف في الانتقام والتشفّي ، وهو أدب إسلامي لم تصل إليه المدنيّة في القرن العشرين « 2 » .
--> ( 1 ) سورة النحل : الآيات 126 - 128 . ( 2 ) المدخل لدراسة القران الكريم للمؤلف ، ص 15 .